ابن أبي الحديد

234

شرح نهج البلاغة

فكأنه أقبل من دفن حبيب ، وإذا جلس فكأنه أسير أجلس لضرب عنقه ، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له . وقال بعض الصالحين لرجل : يا فلان ، هل أنت على حال أنت فيها مستعد للموت ؟ قال : لا ، قال فهل أنت عالم بأنك تنتقل إلى حال ترضى به ؟ قال : لا ، قال : أفتعلم بعد الموت دارا فيها مستعتب ( 1 ) ؟ قال : لا ، قال : أفتأمن الموت أن يأتيك صباحا أو مساء ؟ قال : لا ، دارا فيها مستعتب ( 1 ) ؟ قال : لا ، قال : أفتأمن الموت أن يأتيك صباحا أو مساء ؟ قال : لا ، قال : أفيرضى بهذه الحال عاقل ! وقال أبو الدرداء : أضحكتني ثلاث ، وأبكتني ثلاث : أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه وضاحك ملء فيه لا يدرى أراض عنه الله أم ساخط ! وأبكاني فراق محمد وحزبه ، وأبكاني هول الموت ، وأبكاني هول الموقف ، يوم تبدو السرائر حين لا أدري أيؤخذ بي إلى جنة أم إلى نار ! وكان عبد الله بن صغير يقول : أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار ! وكان يقال : من أتى الذنب ضاحكا ، دخل النار باكيا . وكان مالك بن دينار يقول : وددت أن رزقي في حصاة أمصها حتى أبول فلقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييت من ربى . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما ليس به بأس حذرا عما به البأس ) وقال المسيح عليه السلام بحق أقول لكم ، إن من طلب الفردوس ، فخبز الشعير ، والنوم على المزابل مع الكلاب ، له كثير . وأوصى ابن محرز رجلا فقال : إن استطعت أن تعرف ولا تعرف ، وتسأل ولا تسأل ، وتمشى ولا يمشى إليك فافعل .

--> ( 1 ) مستعتب : رضا .